حيدر حب الله

53

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

يعزف عن الدنيا وما فيها ؟ * أولًا : وحدة المصدر المعرفي لا يساوي وحدة النتائج ، فالذين يعتمدون العقل أساساً للمعرفة هم أيضاً قد يصيبون وقد يخطؤون ، وقد يتفقون وقد يختلفون ، فليس صحيحاً صياغة الإشكال بأنّه ما دام المصدر المعرفي واحداً عند العرفاء فبالضرورة لابدّ أن تتحد النتائج بينهم . ومعنى هذا هو أنّه قد يتصوّر العارف أنّه يحصل له كشف فيما يكون ذلك وهمُ كشفٍ وخيالٌ والتباساتٌ شيطانيّة على حدّ تعبير بعض العرفاء أنفسهم ، تماماً كما يتصوّر الفيلسوف أنّه يقيم دليلًا عقليّاً ، ولكنّه وهم دليل ، وليس سوى مغالطة ، كما أنّه ليس كل من ادّعى أنّه عارفٌ أو قيل عنه بأنّه عارفٌ ، فهو عارفٌ في واقع الحال . ثانياً : يحاول بعض أنصار العرفاء أن يجعلوا هذه المشكلة كامنةً في مرحلة الصحو بعد المحو ، بمعنى أنّ العارف عندما يعود من حالته التي كان عليها ويريد أن يصوغ ما شعر به على شكل مفاهيم ، فهو بالضرورة سوف يستخدم نظامه المفاهيمي والعقلي للصياغة ، وحيث إنّ العقل لا يمكنه تحمّل تلك الأمور ، فقد يقع الخطأ في البيان ، وهذه الفكرة جيّدة ومقنعة في بعض الحالات ، لكنّها غير مقنعة في حالات أخَر ، فإذا صاغ العارفُ الآخر كشوفاته بنمط أصالة الماهية فلماذا لا يلتفت العارف الأوّل لهذه الصياغة ويستبدل صياغته بها ؟ بل لماذا يقيم الأدلّة على اعتباريّة الوجود وهو حال إقامته للأدلة يكون قد تصوّر أصالة الوجود لردّها ؟ فنظامه الذهني غير عاجز إذاً عن تصوّر أصالة الوجود ، إنّ هذه الأجوبة غير مقنعة في كلّ الحالات ، إلا إذا بنى الإنسان تعامله مع العرفاء على حسن الظنّ الدائم بهم . نعم هذا مقبول أحياناً في العرفاء غير